الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
434
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وفي كثير من تلك المناجاة ما يقرب من هذه المضامين فراجعها . والأحاديث والأدعية أكثر من أن تحصى وقد دلَّت على أن أولياء اللَّه متصفين بمحبة اللَّه ، وقد بينوا آثارها في أدعيتهم ومناجاتهم ، فثبت أن محبة اللَّه تعالى أمر ثابت مسلم ، وكم فرق بين من أنكر تعلق المحبة باللَّه تعالى بدعوى واهية كما تقدم وبين من قال : إنها أي المحبة مختصة للَّه تعالى ، ولا ترجع إلى النفس ، لأن النفس بل جميع الصفات لا تلحظ في هذه المحبة ، وإنما تلحظ الذات البحث المقدسة له تعالى ، وذلك لأن حبّ اللَّه الذي هو نار لا تمر بشيء إلا أحرقته . كما عن مصباح الشريعة عن الصادق عليه السّلام يجعل المحب له تعالى مجردا عن جميع السبحات ، وساير أنواع الجمال حتى عن التجريد ، فحينئذ لا يجد المحب نفسه لترجع المحبة إليها ( أي إلى نفسه ) بل هو فان عنها بالمحبة له تعالى كما حقق في محلَّه . ثم إن كون المحبة للَّه هل هي تتعلق بالذات أو بالصفات ؟ ربما يقال بالثاني بدعوى أن الذات البحث لا يمكن الوصول إليها بجهة من الجهات إلا من نحو ما وصف به نفسه ، وأمر به من تكليفه ، ففي الحقيقة محبة الذات راجعة إلى محبة الصفات ، ولا ينافي هذا ما قيل من : أن المحبة إنما ترجع إلى النفس فلا بد من رجوعها إلى الذات ، لأن هذه الكلية بالنسبة إلى غيره تعالى ، وأما بالنسبة إليه تعالى فلمكان عدم إمكان الوصول إلى الذات ، فلا محالة ترجع المحبة إلى ما ظهر منه تعالى من الصفات . ولكن فيه أنه وإن لم يمكن الوصول إلى الذات ، وإلى معرفتها بالكنه ، إلا أنه بعد ما عرّف اللَّه تعالى نفسه بالصفات ، فالروح الإنساني بمعونة عقله يحب الذات بما تقع عليه هذه الصفات ، وهذا لا يستلزم معرفة الكنه حتى يقال باستحالته لاستحالتها ، هذا مع أن الظاهر من الآيات والأحاديث والأدعية هو محبة الذات ، حيث إن المخاطب المحبوب فيها هو من نحو قوله : لقد أحببتك ، وقوله : عقد حبّك على قلبي ، وقوله : من زعم أنه يحبني ، وهذا ظاهر في كون المحبوب هو ذاته المقدسة